نحن والمرجعيات الثلاث: تساؤلات في العمق الاجتماعي

نحن والمرجعيات الثلاث: تساؤلات في العمق الاجتماعي

منذ بدايات شبابي، كنت أراقب تفاصيل الحياة من حولي: في البيت، في الشارع، في وفي محيط العمل. لم أكن ممن يسيرون مع التيار بلا تساؤل، بل كنت مأخوذًا دومًا بسؤال مؤرق: لماذا نعيش بهذه الطريقة؟ من يقرّر بالنيابة عنا؟ ولماذا يشعر الإنسان في مجتمعاتنا أنه ملزمٌ دائمًا بتبرير كل سلوك أو خيار؟ كم مرة سألني صديق أجنبي، مستغربًا: “لماذا تفعل هذا؟”، فأجيبه بتلقائية ممزوجة بالاستسلام: “هكذا نشأنا، هكذا يُفعل هنا، هكذا ديننا، وهكذا مجتمعنا يرى الأمور.” ومع مرور الوقت، أدركت أن كثيرين من حولنا لا يعيشون لأنفسهم و منهم أنا ، بل يعيشون وفق توقعات الآخرين، يلاحقون رضاهم، يتحاشون أحكامهم، حتى وإن كلفهم ذلك خنقًا داخليًا لا يُحتمل.

في الأردن، كما في عموم العالم العربي، يتنازع سلوك الإنسان ثلاث قوى كبرى: الدين، القانون، والأعراف المجتمعية. لكل مرجعية منها سلطتها، لكن الصراع بينها كثيرًا ما يضع الفرد في مأزق دائم، يحاول فيه أن يُرضي الجميع، فلا يرضى عن نفسه. كم من شاب او شابه اختار تخصصًا دراسيًا لا يميل إليه لأنه “يرفع الرأس”؟ وكم من فتاة عربية كُمِم طموحها تحت شعار “الناس بتحكي”؟ وكم من امرأة حُرمت من حقها في الطلاق أو العمل أو الدراسة خشية أن تتحدث العائلة أو الجيران؟ وكم من رجل أخفى مشاعره، ولم يسمح لنفسه بالبكاء أو الشكوى، لأن الرجولة -وفق العرف- لا تحتمل الانكسار؟

الدين، في جوهره، لم يكن أبدًا قيدًا على الإنسان، بل رسالة تحرر من الخوف والذل والتبعية. لكن حين يُختزل في شكله دون روحه، ويُقدّم عبر منظار العادة لا النص، يتحول إلى أداة تبرير لقمع اجتماعي مغلّف بهالة من القداسة. أما القانون، فمهما بلغ من التقدم، يبقى في كثير من الأحيان عاجزًا أمام ثقافة الشارع، حيث تُخشى نظرة الحارة أكثر من نص القانون، ويُحسب حساب تعليق العمّ أو الخال أو الجار أكثر مما يُحسب حساب النظام والدستور.

نحن نعيش في واقع اجتماعي زاخر بالتناقضات. الشاب الأردني أو المصري أو اللبناني أو المغربي كما غيرهم يخرج من منزله ليقرأ على لافتات الدولة شعارات عن الحريات والتمكين والكرامة، لكنه سرعان ما يصطدم بجدران غير مرئية: أحكام مسبقة، نظرات متفحصة، وهمسات خفية، تمارس جميعها رقابة اجتماعية لا ترحم. هذه الأعراف، وإن لم تكتب في الدساتير، وإن لم تنطق بها النصوص الدينية، فإنها تحكم الواقع بقوة صامتة، لكنها نافذة.

انظر إلى “جرائم الشرف” مثلًا، التي تراجعت قانونيًا في الأردن وعدد من الدول، لكنها لا تزال تلقى تعاطفًا ضمنيًا في بعض الأوساط. أو تأمل حجم التنمّر المجتمعي ضد من يخرج عن المألوف، سواء في اللباس، أو المهنة، أو الرأي، أو حتى مجرد الحديث عن مشكلته النفسية. لا تزال الصحة النفسية موضوعًا محظورًا في الكثير من البيئات العربية، لأن الاعتراف بالهشاشة يُعد في العُرف ضعفًا، لا إنسانية.
الأعراف المجتمعية ليست شرًا في جوهرها؛ فهي نتاج تطوري لحاجة الجماعات إلى التنظيم والانسجام، لكنها تصبح عبئًا حين تعيق التغيير و احيانا التقدم، أو تفرّغ الحقوق من مضمونها، أو تبرر الظلم باسم المحافظة. المطلوب ليس هدمها، بل نقدها، تهذيبها، وتجديدها بما يتماشى مع مقاصد الدين وروح القانون وكرامة الإنسان. فالقانون يجب أن يُفعّل كأداة لحماية الفرد، لا أن يُفرّغ أمام ضغط الجماعة. والدين يجب أن يُستعاد في جوهره، لا في مظهره. أما الأعراف، فينبغي أن تُراجع، لا أن تُقدَّس.
نحن بحاجة إلى ثورة وعي ، لا ثورة غضب. بحاجة إلى تربية جديدة، تُنبت أجيالًا تُحسن التفكير، والمساءلة، والمحاججة، لا فقط الطاعة والتبرير. أن نقول لأبنائنا: عِشْ لنفسك بكرامة، لكن لا تظلم أحدًا، واحترم حقك وحق غيرك. أن نغرس فيهم قيمًا لا تخشى كلام الناس، بل تحترم صوت الضمير.

إننا اليوم لا نواجه أزمة قانون، ولا أزمة دين، بل أزمة ثقافة مجتمعية تُمارس وصايتها على الفرد باسم العيب، والعادة، والسُمعة. والمطلوب من العائلة و المثقفين، والمربّين، وصنّاع القرار، والإعلاميين، أن يقودوا حوارًا عميقًا يُعيد ترتيب العلاقة بين هذه المرجعيات الثلاث. حوارًا يُحرر الإنسان العربي من معركة مستمرة بين ما هو حق، وما هو متوقَّع منه. حوارًا يسمح له أخيرًا أن يكون ذاته: بلا خوف، بلا تمويه، وبلا إذنٍ من الآخر.

نشر هذا المقال في صحيفة الرأي