تشرفتُ بحضور المنتدى الإنساني الدولي الرابع، الذي نظّمه مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية في الرياض الأسبوع الماضي، بمشاركة واسعة من القادة والخبراء وممثلي المنظمات الدولية والإقليمية العاملة في مجالي الإغاثة والعمل الإنساني. يعكس هذا المنتدى التزام المملكة العربية السعودية المستمر بدورها الريادي في هذا المجال، حيث كرّست نهجًا قائمًا على العطاء دون تمييز، مرتكزًا على مبادئ العدل والمساواة، وممتدًا لعقود طويلة في دعم المستضعفين حول العالم.
ويأتي هذا المنتدى امتدادًا للجهود المؤسسية التي رسّختها المملكة في العمل الإنساني، لا سيما منذ إطلاق مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية عام 2015، تحت القيادة الرشيدة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، حفظه الله. فقد أسّس المركز إطارًا متكاملًا للعمل الإنساني السعودي، مرتكزًا على نهج برامجي منظم وفق أفضل الممارسات العالمية، بما يضمن العدالة والاستجابة السريعة والفعالة للأزمات. وتشمل مجالات عمله الأمن الغذائي، والإيواء، والصحة، والتعليم، والمياه والصرف الصحي، والتغذية، والحماية، إضافة إلى الخدمات اللوجستية والاتصالات أثناء الطوارئ، وذلك بالتنسيق مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية.
اليوم، يمتد تأثير المركز إلى أكثر من 100 دولة حول العالم، من أستراليا إلى أمريكا الوسطى، ومن إفريقيا إلى أوروبا وآسيا، بإجمالي تكلفة مشاريع تجاوزت 7 مليارات دولار، وأكثر من 3000 مشروع منفذ أو قيد التنفيذ، بالتعاون مع أكثر من 400 شريك. ورغم هذا الحجم الكبير من العمل، لا يقتصر دور المركز على الاستجابة الطارئة، بل يعتمد على رؤية استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تنسيق وتنظيم المساعدات السعودية في إطار تنموي مستدام.
خلال مشاركتي في المنتدى الإنساني الدولي الرابع، أتيحت لي الفرصة لمتابعة النقاشات المفتوحة التي تناولت أبرز التحديات الإنسانية، من دور الدبلوماسية الإنسانية في النزاعات والكوارث، إلى آليات توزيع المساعدات والتعامل مع أزمات النزوح المتفاقمة. تميزت الجلسات بروح الصراحة والتعاون، مما يعكس التزام مركز الملك سلمان بالشفافية والفاعلية في جميع جوانب عمله، سواء في التخطيط أو التنفيذ.
أحد المحاور البارزة في المنتدى كان الدور القيادي الذي يلعبه مركز الملك سلمان في الدبلوماسية الإنسانية، حيث أثبت قدرته على توظيف هذا النهج لإقناع صانعي القرار العالميين باتخاذ خطوات ملموسة لدعم العمل الإنساني والاستجابة للأزمات. وقد ظهر ذلك جليًا في مبادرات مثل اتفاقيتي “جدة 1” و”جدة 2″، اللتين سهلتا إيصال المساعدات إلى السودان، إضافة إلى تنفيذ أول عملية إجلاء بحرية للعالقين هناك، وإنقاذ أكثر من 8400 شخص من 110 دولة. ويعكس هذا التوجه التزام المملكة ليس فقط بتقديم المساعدات، بل أيضًا بالوساطة الفاعلة لتعزيز السلام والاستقرار.
مع اختتام المنتدى، كان واضحًا أن الأثر الذي يتركه مركز الملك سلمان سيتسع أكثر في السنوات القادمة، مدفوعًا برؤية استراتيجية تعزز التعاون والتكامل في العمل الإنساني. فكانت من بين أبرز مخرجات المنتدى توقيع اتفاقيات دعم سخية منها اتفاقية بقيمة 300 مليون دولار مع منظمة الصحة العالمية للقضاء على شلل الأطفال، وأخرى بقيمة 200 مليون دولار مع اليونيسيف لدعم الجهود الإنسانية، إلى جانب 100 مليون دولار مع البنك الإسلامي، واتفاقية مع برنامج الأغذية العالمي لتوزيع 100 ألف طن من التمور في 30 دولة.
الإنجازات الاستثنائية التي حققها المركز خلال عشر سنوات فقط تُعد غير مسبوقة، لا سيما عند مقارنتها بالوقت الذي استغرقته بعض المنظمات الدولية للوصول إلى مستوى مماثل من التأثير. ومع الإمكانات القوية التي يمتلكها المركز، يبدو أن الأفضل لم يأتِ بعد، حيث يواصل تعزيز دوره كمؤسسة رائدة في العمل الإنساني عالميًا، واضعًا أسسًا لمستقبل أكثر فعالية في هذا المجال.
نشر هذا المقال في وكالة عمّون الإخبارية