في زمنٍ تتسابق فيه الأمم نحو ترسيخ مفاهيم التنوع والتعددية، ما زال العرب يراوحون مكانهم في سؤالٍ قديم جديد: لماذا لا نحسن التعامل مع اختلافاتنا؟ لماذا ننظر إلى “الآخر” الديني أو العرقي أو الثقافي وكأنه تهديد يجب احتواؤه، بدل أن يكون شريكًا في الوطن والبناء؟
رغم مرور مئات السنين من التعايش، لم نستطع كعرب أن نحوّل هذا التنوع الغني إلى مصدر قوة ونهضة. وظلّ يُوظّف في الغالب كأداةٍ للتخويف أو الإقصاء أو التهميش. وما يجري اليوم في بعض البلدان العربية، من العراق إلى سوريا، يثبت أن المعضلة ليست وليدة لحظة أو صراعٍ مسلح، بل هي أزمة وعيٍ عميقة. فكم من مرّة رأينا الناس يُحاسَبون على أسمائهم، أو طوائفهم، أو أصولهم العرقية، لا على أفعالهم أو سلوكهم؟
لقد اختُزل مفهوم “الوحدة” في اللسان والشعار، بدل أن يُبنى على القبول بالمختلف والعدالة في التمثيل. وكل جماعة تحتمي بهويتها الضيقة، وتُجرّم المختلف عنها، متناسية أن أعظم الحضارات التي عرفها التاريخ – من الأندلس إلى الدولة العباسية إلى مدن الشام العثمانية – لم تزدهر إلا حين احتضنت هذا التعدد وصهرته في مشروع حضاري واحد.
أما في عصرنا الحديث، فقد رأينا كيف قامت دول كبرى على التنوع، لا بالرغم منه. الهند، كندا، جنوب إفريقيا، والولايات المتحدة كلها نماذج على أن التعددية ليست عبئًا، بل رافعة للديمقراطية والابتكار والوحدة الحقيقية. فالتشابه المفرط لا يعني بالضرورة الانسجام، بل قد يقود إلى احتكاكات أعمق، لأن المشكلة ليست في الاختلاف بحد ذاته، بل في غياب المنظومة التي تديره وتؤطره.
إننا، في عمق أزمتنا، لم نفشل في التنوّع فقط، بل فشلنا قبل ذلك في بناء الدولة. الدولة التي تحكم بالقانون، وتُؤمن بالمواطنة لا بالمحاصصة، وبالحق لا بالامتياز. لذلك، فإن التطرف ليس سوى عرضٍ لمرضٍ أعمق: غياب ثقافة التعدد، وانعدام المؤسسية، وهيمنة النظرة الأحادية.
ولا يُعوّل على تقليص الطيف المذهبي أو الثقافي لتحقيق الاستقرار، فحتى ضمن الطائفة أو الجماعة الواحدة يستمر الاقتتال. لأن جوهر الصراع غالبًا لا يكون في الهويات، بل في ضيق الأفق، وسوء الإدارة، وانعدام الثقة.
التنوع ليس ترفًا ثقافيًا كما يظن البعض، بل هو حاجة وجودية لأي أمة تريد أن تنهض، وتستمر، وتحترم ذاتها. ولن نتقدم ما لم نُدرك أن المختلف لا يقل قيمة، وأن الشراكة لا تعني الذوبان، وأن المجتمعات المتحضرة هي التي تبني من اختلافاتها وحدة، لا التي تُخفي هشاشتها خلف شعارات جوفاء. إن حضارة لا تُحسن إدارة تنوعها، لا تستحق أن تدّعي الرقي.
نشر هذا المقال في صحيفة عمون.