*دوستويفسكي وتولستوي… النبعان المختلفان للروح الإنسانية*
في قلب الأدب الروسي، يقف اسمان عظيمان كجبلين شامخين: فيودور دوستويفسكي وليو تولستوي. كلاهما سكن ضمير الإنسانية، وكتب عن الإنسان كما لم يكتبه أحد من قبل، لكن كلاً منهما فعلها بطريقته، من منبعٍ مختلف، وبرؤيةٍ نقيضة، جعلت من التقاء اسميهما على صفحة واحدة تجربة فكرية لا تشبه سواها.
دوستويفسكي خرج من رحم الألم، لا من نعيم الطبقة. وُلد في موسكو لعائلة متواضعة، تشرّب الفقر مبكرًا، وعاش التوترات الطبقية من الداخل، لا من فوقها. كان شابًا متمرّدًا، اعتُقل، وحُكم عليه بالإعدام، ثم أُنقذ في اللحظة الأخيرة، فنُفي إلى معسكرات سيبيريا. تلك اللحظة الفاصلة – بين الحياة والموت – رسمت ملامح كل ما كتبه لاحقًا. كتب دوستويفسكي عن الإنسان وهو في أعنف لحظاته: معذَّب، مشكِّك، ممزَّق بين الإيمان والشك، بين الجريمة والكفّارة، بين صوت الضمير وهمس الهوس.
أما تولستوي، فقد وُلد في نعيم الأرستقراطية، في ضيعة فخمة وحقول وارفة، وكانت حياته الأولى أقرب إلى سيرة أمير رومانسي. لكنه رغم ذلك، لم يركن للترف، بل ظلّ يبحث – بقلقٍ عميق – عن معنى الحياة والعدل والحقيقة. كتب الحرب والسلام وآنا كارينينا وهو في قلب مجده، لكنه انسحب لاحقًا إلى حياة الزهد والبساطة، باحثًا عن الله في الحقول لا في الكتب، وعن الخلاص في العمل واللاعنف لا في الفكر التجريدي.
إذا كانت أعمال دوستويفسكي تنزل إلى قاع النفس البشرية، فإن روايات تولستوي تمتد على مساحة الوجود الاجتماعي والأخلاقي. دوستويفسكي يحبس القارئ في غرفة مع مجرم أو مريض نفسي أو ناسك مشوش، ويجعله يتأمل داخله. أما تولستوي فيُمسك القارئ من يده ويمشي به في الحقول، في المعارك، في العائلات، بين الحب والخيانة، بين القانون والطبيعة، ويطلب منه أن يرى الإنسان في تفاعله مع الآخرين، لا في عزلته فقط.
في الأخوة كارامازوف، تجد دوستويفسكي يفتح جراح الفلسفة الكبرى: هل يمكن أن يُبرر الشر؟ هل الأخلاق ممكنة بلا إيمان؟ هل الله غائب أم نحن الذين هربنا منه؟
بينما في الحرب والسلام، يغوص تولستوي في جدلية التاريخ والاختيار البشري، وكيف يُعيد الناس صناعة مصيرهم تحت سطوة الحرب والقدر.
أدب دوستويفسكي أشبه بلوحة ليلية، مضاءة بشموع الشك والأسئلة، فيها ظلال، وارتباك، ونبض داخلي لا يهدأ.
أما أدب تولستوي فهو أقرب لنهارٍ ممتد، فيه الضوء موزّع على تفاصيل الحياة، على البشر بأخطائهم البسيطة، وأحلامهم الممكنة، ومعاركهم اليومية.
كلاهما كتب عن الإنسان، لكن بأداتين مختلفتين: دوستويفسكي بالمِبضع، وتولستوي بالفرشاة.
الأول كان يشرّح الروح، والثاني كان يرسمها وهي تتحرك في الزمن.
الغريب أن الرجلين لم يلتقيا أبدًا، رغم أنهما عاشا في زمن واحد. لم يتحادثا، لم يتحاورا، لكنهما كانا في مواجهة غير مباشرة، فكريًا وأدبيًا. كل منهما كان صوتًا مختلفًا لروسيا، بل للإنسانية كلها.
وإذا كان الرجلان لم يلتقيا في حياتهما، فقد التقيا في ضمير الأدب العالمي. فقد رأى فرويد في دوستويفسكي تجسيدًا مذهلًا لصراعات النفس البشرية، واعتبر الأخوة كارامازوف قمة في التعبير عن التوتر بين الرغبة والذنب. وكتب سارتر أن دوستويفسكي “سبق الوجودية قبل أن تُولد”، لما في أدبه من قلق وجودي وتمزق أخلاقي. أما همنغواي، فقد قال عن تولستوي إنه “كتب بنُبل لا تحتمله الحقيقة أحيانًا”، منبهرًا بقدرته على جعل العادي بطوليًا. ووقف كثير من فلاسفة وأدباء الغرب في رهبة أمام قدرة الكاتبين على الجمع بين العمق النفسي والتأمل الفلسفي والسرد الأخلاقي. لقد مثّل كلاهما في نظر الأدب العالمي مرآة لإنسان يتصارع مع ذاته والوجود، وفتحا نوافذ لا تُغلق لفهم الإنسان لا بوصفه مخلوقًا روائيًا، بل ككائن يبحث عن المعنى وسط ظلال العالم.
واليوم، بعد أكثر من قرن، لا يزال صدى كلٍ منهما حاضرًا. فحين نبحث عن الإنسان في أضعف حالاته، نذهب إلى دوستويفسكي.
وحين نبحث عنه في علاقاته ومسؤوليته عن العالم، نلجأ إلى تولستوي.
وبينهما، نجد أنفسنا… ممزقين بين العمق والامتداد، بين العزلة والمجتمع، بين الصرخة الوجودية والرسالة الأخلاقية.
دوستويفسكي وتولستوي ليسا مجرد كاتبين، بل ثنائية نادرة للعبقرية.
من تأمّلهما معًا، نخرج بصورة أشمل للإنسان: مَن هو؟ ولماذا يتألم؟ وكيف يُمكن له أن يعيش… رغم كل شيء.
نشر هذا المقال في صحيفة الرأي.