اللغة العربية… موسيقى الروح ولسان الهوية

اللغة العربية… موسيقى الروح ولسان الهوية

في إحدى محطات السفر الطويل، التقيت رجلاً من أوروبا الشرقية أدهشه أني عربي، فسألني، بفضول نقي: “لماذا لا تتحدثون دائمًا بلغتك العربية؟ إنها من أجمل اللغات التي سمعتها!” سؤاله المباشر، رغم بساطته، كان كالمرآة التي تعكس زوايا كنا نمرّ بها كل يوم دون أن نتوقف عندها.

اللغة العربية ليست مجرد أداة تواصل، بل كائن حي ينبض بتاريخ شعوب، وأحلام أجيال، وروح حضارة امتدت من جبال الأندلس حتى ضفاف نهر السند. إنها لغة فيها من الإعجاز ما يدهش، ومن الموسيقى ما يُطرب، ومن الحِكمة ما يروي ظمأ الفكر.

فيها تتجاور الدقة مع الجمال، وتنساب الكلمات كما الماء العذب. من يقرأ بيتًا للمتنبي أو مقطعًا للجاحظ أو دعاءً من أدعية الصالحين، يدرك أن العربية ليست مجرد لغة، بل مقام روحي.

ومن أبرز ما منح العربية بُعدها القدسي وعمقها البلاغي، هو نزول القرآن الكريم بها، إذ لم يكن مجرد وحيٍ ديني، بل معجزة لغوية خالدة. جاءت مفرداته لتُحكم البناء وتسمو بالمعاني وتضرب الأمثال، فأثّرت في بنية اللغة وأساليبها ونقلتها من أداة تواصل إلى أداة إبداع وإقناع وتنوير. كلمة واحدة في القرآن قد تحمل طبقات من المعنى، وتُقرأ بأوجه شتى، دون أن تُخلّ بجوهر الرسالة، بل تزيدها سحرًا وثراءً. من هنا، أصبحت العربية لغة تُتعب من أراد تقليدها، وتُبهر من حاول الغوص في أعماقها.

وقد لا يعلم كثيرون أن العربية تُعد من أكثر لغات العالم ثراءً من حيث عدد المفردات؛ إذ تتجاوز مفرداتها وفق بعض التقديرات الاثني عشر مليون كلمة، بين أصل واشتقاق وترادف وتنوع دلالي، في مقابل بضع مئات الآلاف في معظم اللغات الأخرى. وليس الأمر في الكثرة فقط، بل في دقة التصنيف. ففي العربية، هناك عشرات المفردات لكل حالة من حالات المطر، ولكل تفصيلة من مشاعر الحب، ولكل وصف للطبيعة أو الهيئة أو الحركة. فالأسد ليس مجرد “أسد”، بل له أكثر من 300 اسم بحسب حالته وسياقه، والغمّازة، والابتسامة، والضحكة، لكل منها توصيفها الخاص. حتى الجَمال، لا يُوصف بكلمة واحدة، بل بكنزٍ من الألفاظ التي توحي ببهاء الشكل ورقة الروح في آنٍ معًا.

في أسفاري الكثيرة، كلما تحدثت بالعربية، شعرت بوقار خاص يسبقني، كأن هذه اللغة تحمل على ظهرها عبق التاريخ. بعض الأصدقاء من ثقافات أخرى، لا يفهمون حرفًا مما أقول، لكنهم يقولون إن العربية تُسمع وكأنها لحنٌ مكتمل، حتى قبل أن تُفهَم.

ولعل في أحد المقاهي القديمة في المغرب، رأيت شبّانًا يتجادلون بالفصحى وكأنهم في مناظرة أدبية. لا مذيع ولا جمهور، لكن اللغة بينهم كانت عنوانًا للفخر، ومتنفسًا للهوية. حينها، أدركت أن الفصحى ليست لغة الماضي، بل كنز الحاضر إن أردنا أن نُحسن حفظه.

لكن ما يحزن حقًا أن كثيرين من أبنائها لا يثقون بها. يتحدثون بها في الصفوف الدراسية ثم يهجرونها في الشوارع. يعتذرون عنها أمام الأجانب، كأنها عبء لا يُحتمل. ينسون أن هذه اللغة، يوم كانت بعض اللغات الأوروبية تُكتب بحروف متقطعة، كانت تؤسس لمفاهيم الطب والجبر والفلك والفلسفة.

هي التي علّمت العالم مفاهيم الترجمة، وصاغت أولى معاجم المعاني، واحتضنت مئات المفردات التي لا ترجمة دقيقة لها في لغات أخرى. في العربية، لا يوجد فقط الحب، بل الهوى والعشق والوجد والحنين والوله والصبابة. في العربية، الشمس مؤنثة، والقمر مذكّر، وكأنها تعيد ترتيب الكون بنسقٍ خاص بها.

وكم هو مؤلم أن نُحدّث أبناءنا عن الفخر بلغتهم، ثم نختار لهم أسماءً أجنبية في لحظة ميلادهم، وندرسهم الرياضيات والعلوم بلغة غير لغتهم، ثم نتساءل لاحقًا: لماذا لا يعتزون بها؟

اللغة ليست مجرد حروف. إنها الذاكرة، والحنين، والشعور الجمعي. من يفقد لغته، يفقد ملامحه تدريجيًا دون أن يشعر. ولغتنا العربية، بثرائها وتنوّعها، لا تحتاج إلا لمن يعيد اكتشافها. هي لا تشكو الضيق، بل نحن من ضاقت قلوبنا عن اتساعها.

قد يقول البعض إن اللغة لا تُطعم خبزًا. لكن الحقيقة أن الأمم لا تنهض إلا بلغاتها. اليابان، كوريا، تركيا، بل حتى دول صغيرة حافظت على لغتها، فحافظت على مكانتها. أما نحن، فلدينا لغة عظيمة، لكنها تنتظر منا أن نعاملها كما تستحق.

ربما آن الأوان لنفهم أن اللغة العربية ليست لغة متحف، بل شجرة أصلها ثابت وفرعها في كل فنّ وفكر وإبداع. نحتاج أن نعيدها إلى يومياتنا، إلى قصص أطفالنا، إلى شاشاتنا وكتبنا ورسائلنا. نحتاج أن نُحسن النطق بها، وأن نفخر باستخدامها، لا أن نُبرر التحدث بغيرها.

فاللغة، تمامًا كالهواء، لا نشعر بقيمتها حتى نختنق بفقدانها. والعربية، لغتنا الأُم، لا تزال تنتظر أن نغني لها كما غنّى لها نزار، وأن نخط بها كما كتب بها جبران، وأن نحبها كما أحبها طه حسين.
ومن لا يحب لغته، كيف له أن يحب نفسه؟

نشر هذا المقال في صحيفة الرأي.