العمل… أكثر من وظيفة
حين نبدأ مسيرتنا المهنية، نظن أن العمل يقتصر على المهام اليومية: تقارير نكتبها، اجتماعات نحضرها، وخطط نُنجزها. لكن مع مرور الوقت، تتغير نظرتنا تدريجيًا، ونُدرك أن جوهر العمل لا يُقاس فقط بالإنتاج، بل بما نبنيه من علاقات، وبما نُظهره من مواقف، وبالدعم الذي نتلقاه ونُقدّمه في اللحظات الصعبة.
قد لا نُدرك هذا المعنى إلا عندما نُواجه ظرفًا استثنائيًا، كغياب أحد الزملاء بسبب وعكة صحية. هنا، تُختبر الروابط الحقيقية بين أعضاء الفريق: هل نحن مجرد زملاء، أم أننا أكثر من ذلك؟ هل مؤسستنا مساحة للعمل فحسب، أم بيت نلجأ إليه في الشدائد؟
في مؤسستنا، مرت إحدى الزميلات بتجربة صحية صعبة. المفاجأة كانت أن عددًا غير قليل من الموظفين تابعوا حالتها عن قرب، وحرصوا على التواصل المستمر معها، يطمئنون ويساندون ويدعمون. لم يكن ذلك واجبًا رسميًا، بل تصرفًا نابعًا من نقاء السريرة وإنسانية رفيعة، يعكس روحًا عالية من المسؤولية والانتماء. والأجمل أن هذه اللفتة تكررت مع أكثر من زميل وزميلة مرضوا في نفس الوقت، ما يؤكد أن هذه الروح لم تكن استثناءً، بل سلوكًا أصيلاً في الفريق بدرجات متفاوته.
لهؤلاء جميعًا، نقول شكرًا من القلب. لقد أثبتم أن العمل لا يُقاس فقط بكم ننجز، بل بكيف نكون إنسانيًا. وجود أمثالكم في أي مؤسسة يمنحها الحياة، ويعيد التأكيد على أن النبل والمروءة لا يزالان حيّين في بيئاتنا.
لكننا في المقابل، لا ننكر وجود من لم يشارك بهذه الروح. قد يكون ذلك نتيجة لثقافة مهنية مختلفة، أو لقناعات أخرى حول طبيعة العلاقات في العمل. وهذا ليس مجالًا للّوم، بل دعوة لتعزيز الوعي الجمعي، وترسيخ ثقافة إنسانية في العمل، تجعل من المؤسسة مساحة نمو متبادل، لا ساحة تنافس فقط.
المفارقة الجميلة أن الفريق لم يتوقف رغم غياب زميلته، بل واصل العمل بنفس حيويتها، بروحها، وبتأثيرها الذي بقي واضحًا. لقد غابت جسدًا، لكنها كانت حاضرة بإرثها المهني، وبصمتها التي تركتها في الفريق.
أما هي، فقد رأت في هذه التجربة وجهًا آخر للعمل. أدركت أنها تنتمي إلى فريق لا تُقاس روابطه بعقود العمل، بل بالمحبة والدعم والصدق. لم تكن السنوات الماضية مجرد تجربة مهنية بالنسبة لها، بل حياة مليئة بالرفقة الصادقة والروح العائلية.
وهكذا، برهنت التجربة على أن المؤسسات القوية هي التي تضع الإنسان أولًا، وتُحسن دعمه في ضعفه، كما تثمّن إنجازه في قوّته. المرض ليس سوى استراحة، والعودة بعده تكون أجمل حين يجد الموظف في انتظاره فريقًا متماسكًا، حقيقيًا، لا تغيب عنه الأخوّة.
في نهاية المطاف، العمل ليس فقط ما نفعله، بل ما نتركه في قلوب الآخرين. وعندما نجد من يواسي، ومن يهتم، ومن يتجاوز الحواجز بين الزمالة والإنسانية، نكون أمام مؤسسة لا تُقدّم فقط خدمات… بل تقدم نموذجًا يُحتذى.
نشر هذا المقال في صحيفة الرأي