الدبلوماسية الصحية: ضرورة استراتيجية في عالم متداخل ومتغير
في المشهد العالمي المعقد الذي نعيشه اليوم، لم تعد الصحة قضية محصورة ضمن حدود المؤسسات الطبية أو النظم الصحية الوطنية، بل أصبحت محورًا أساسيًا في العلاقات الدولية وصنع السياسات. وقد جاءت جائحة كوفيد-19 لتكشف بوضوح عما كان معروفًا لكنه غير مُقدّر بالقدر الكافي: الصحة شأن سياسي عميق، يتجاوز الأوطان، ويتقاطع مع كل مجالات الحياة الأخرى. في هذا السياق، برزت الدبلوماسية الصحية كأداة لا غنى عنها لفهم هذا التداخل، والتعامل معه، وتوجيهه نحو مصلحة الشعوب.
تشير الدبلوماسية الصحية إلى استخدام أدوات التفاوض والتعاون الدولي في خدمة الأهداف الصحية، وفي الوقت ذاته، في تعزيز الحوار العابر للحدود، وبناء الثقة، وترسيخ المسؤوليات المشتركة. وهي تشمل طيفًا واسعًا من الفاعلين، من وزارات الصحة والخارجية، إلى المنظمات الدولية، والتكتلات الإقليمية، والجامعات، ومنظمات المجتمع المدني. وعندما تُمارَس بفعالية، تتيح للدول التعامل الجماعي مع التهديدات الصحية، والتفاوض من أجل الوصول العادل إلى التقنيات واللقاحات، وتنسيق الدعم الخارجي بما يتماشى مع الأولويات الوطنية، وبناء علاقات طويلة الأمد قائمة على المنفعة المتبادلة.
وبالنسبة لصنّاع السياسات، لم تعد الدبلوماسية الصحية شأناً هامشيًا أو تقنيًا، بل باتت أولوية استراتيجية. فالعالم اليوم يواجه تقاطعًا متسارعًا بين الأزمات: أوبئة، تغيّرات مناخية، تحديات غذائية، نزوح وهجرة، واضطرابات جيوسياسية. وكل هذه التحديات تُلقي بظلالها على الصحة. ولم يعد من الممكن التعامل مع هذه الظواهر بسياسات قطاعية معزولة. فالصحة الوطنية أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بالصحة العالمية. ولا يمكن لأي دولة أن تحمي صحة مواطنيها بمعزل عن التعاون الإقليمي والدولي.
كما أن الدبلوماسية الصحية تفتح الباب أمام إعادة صياغة السياسة الخارجية على أساس المصالح الإنسانية المشتركة. وعندما تُوظّف بشكل صحيح، فإنها تصبح أداة “قوة ناعمة”، تُبرز الدور القيادي للدولة من خلال التعاون لا التنافس. والأمثلة على ذلك كثيرة، من الشراكات الدولية خلال أزمة إيبولا، إلى تنسيق الجهود في إطار مراكز مكافحة الأمراض في إفريقيا، أو المبادرات العالمية لتحقيق العدالة في توزيع اللقاحات. كل هذه النماذج تؤكد أن الصحة يمكن أن تكون جسرًا للتلاقي حتى في أحلك الظروف السياسية.
لكن الآمال الكبيرة التي تُعلَّق على الدبلوماسية الصحية لا تعني أنها بلا تحديات. فهناك تباين في المصالح بين الدول، وفجوات في موازين القوة التفاوضية، وتشتت في أجندات الجهات المانحة، إضافة إلى نقص القدرات المؤسسية في بعض البلدان. ولمعالجة هذه العقبات، لا بد من الاستثمار في بناء كفاءات بشرية مؤهلة تجمع بين الفهم الصحي العميق ومهارات التفاوض الدولي. وعلى صناع السياسة الخارجية أن يطوّروا بدورهم فهمًا أوسع للديناميكيات الصحية، وإدراكًا لتأثيراتها الاستراتيجية.
إن مستقبل الدبلوماسية الصحية يتطلب تفكيرًا جديدًا والتزامًا سياسيًا طويل الأمد. وينبغي على صناع السياسات الدفع نحو تعزيز التعاون الإقليمي الشامل، بحيث تكون الصحة جزءًا لا يتجزأ من خطط التنمية والبيئة والاقتصاد، وليس مجرد عنصر في حالات الطوارئ. كما يتوجب دعم منصات التعلّم المشترك، وتبادل البيانات، والانخراط المجتمعي العابر للحدود. وقبل كل ذلك، ينبغي إدراك أن الصحة ليست قضية تقنية فقط، بل هي أولوية أخلاقية واستراتيجية في آنٍ معًا، تعكس نوع المجتمع الدولي الذي نسعى لبنائه.
في عالم تتزايد فيه الانقسامات والتحديات المعقدة، تُمثّل الدبلوماسية الصحية مسارًا نحو الانسجام والتكامل. فهي لا تعني فقط الاستعداد للأوبئة القادمة أو تحسين الخدمات، بل تعني تأكيد أن الصحة حق عالمي مشترك، وقيمة إنسانية توحّدنا، وتستحق قيادة مبنية على التضامن والعلم والمسؤولية الجماعية.
نشر هذا المقال في صحيفة الرأي