الحوار الصحي بين دول الشمال و دول الجنوب : طريق محفوف بالتحديات والفرص
واخيرا وبعد مفاوضات استمرت لمدة ثلاث سنوات بين الدول المختلفة وجلسات مارثونية و اتفاقيات ولوبيات مختلفة، و ما بين مد و جزر، تم الاتفاق و اطلاق اتفاقية منظمة الصحة العالمية للجوائح خلال فعاليات الجمعية العالمية للصحة الـ78 في جنيف الذي عقدت خلال هذا الشهر ( أيار، ٢٠٢٥) ، و التي تم صياغتها بعد حوار مستفيض واتفاق شامل، ومبادلة مستمرة للملاحظات و المصالح و الانتقادات بين جميع الدول المعنية ونحو تعزيز الاستجابة العالمية للجوائح من خلال ضمان الوصول العادل إلى اللقاحات والعلاجات والتشخيصات. والأهم من ذلك، أن الإتفاقية تحترم السيادة الوطنية بوضوح، حيث تنص على عدم منح منظمة الصحة العالمية صلاحية فرض سياسات أو إجراءات إلزامية على أي دولة، مما يؤسس لقاعدة متينة من الاحترام المتبادل والشراكة الحقيقية.
لطالما كان الحوار بين الشمال ( الدول الغنية ) والجنوب ( الدول متوسطة و متدنية الدخل ) موضوعًا مركزيًا في النقاشات الدولية المتعلقة بالتنمية، ولكن عندما يتعلّق الأمر بمجال الصحة، يصبح هذا الحوار أكثر حساسية وتعقيدًا لارتباطك في حياة الإنسان ، فبينما يمتلك الشمال – بما في ذلك الدول ذات الاقتصادات المتقدمة – موارد مالية وتقنية هائلة، يواجه الجنوب – المتمثل في الدول النامية والأقل نموًا – تحديات متراكمة تتعلق بالبنى التحتية الصحية، وندرة الكوادر، والأعباء الوبائية، والتأثر غير المتكافئ بالأزمات العالمية.
ومع تزايد التفاوت بين الدول، خصوصًا بعد جائحة كوفيد-19، أصبح من الواضح أن الأمن الصحي لم يعد شأنًا محليًا، بل مسؤولية مشتركة تتطلب توازنًا في الحوار والتخطيط بين الشمال والجنوب. إلا أن هذا الطريق ليس معبّدًا، بل محفوف بالتحديات السياسية والاقتصادية، وأحيانًا الثقافية، التي قد تعيق إقامة شراكات حقيقية قائمة على الإنصاف لا التبعية.
أحد أبرز التحديات يتمثل في اختلال ميزان القوة في هذا الحوار. ففي كثير من الأحيان، تأتي المبادرات الصحية من الشمال مشروطة أو موجهة وفقًا لأولوياته، دون مراعاة كافية لخصوصيات واحتياجات الجنوب. ويؤدي هذا إلى برامج غير مستدامة، أو حلول مؤقتة لا تُحدث الأثر العميق المطلوب.
من ناحية أخرى، تعاني بعض الدول الجنوبية من ضعف في الحوكمة الصحية وغياب آليات واضحة للتفاوض أو التأثير في أجندة التعاون الدولي. كما أن تفاوت القدرات البحثية والصعوبات في جمع وتحليل البيانات تعيق قدرة هذه الدول على طرح رؤى مستندة إلى الأدلة.
رغم هذه التحديات، هناك فرص حقيقية للنهوض بالحوار الصحي بين الشمال والجنوب، إذا ما تم بناؤه على أساس التشارك في المعرفة، وتبادل الخبرات، وتقدير دور المجتمعات المحلية. إذ أن بعض الدول الجنوبية أظهرت مرونة وقدرات استجابة تفوقت على نظيراتها في الشمال، ما يؤكد أن الحلول ليست حكرًا على جهة دون أخرى.
إن تطوير هذا الحوار يتطلب نقلة نوعية في فلسفة التعاون الصحي العالمي، من منطق المساعدة إلى منطق الشراكة، ومن التوجيه الأحادي إلى التخطيط المشترك. كما يجب دعم إنشاء منصات إقليمية تعزز من صوت الجنوب وتجمع التجارب الناجحة فيه، ليكون طرفًا فاعلًا لا متلقٍ فقط.
في الختام، يمكن القول إن الطريق نحو حوار صحي عادل وفاعل بين الشمال والجنوب لا يزال طويلاً، لكنه ليس مستحيلاً. فقط عبر الاعتراف بالتحديات المشتركة، واحترام الخصوصيات، وتعزيز الثقة المتبادلة، يمكن تحويل هذا الحوار إلى أداة فاعلة لتحسين صحة الشعوب في كل مكان.
نشر هذا المقال في صحيفة عمون