في عالم تتنازع فيه الدول بسبب التعدد العرقي والديني، تبرز روسيا الاتحادية كحالة فريدة تُظهر كيف يمكن للتنوع أن يكون مصدرًا للقوة لا سببًا للتفكك. تمتد روسيا من أقصى شرق آسيا إلى حدود أوروبا، وتضم أكثر من 190 قومية وعشرات الديانات واللغات، ومع ذلك حافظت على كيان سياسي موحد. السر في ذلك يتجذر في التاريخ ويستمر في الحاضر.
منذ عهد القياصرة، تبنّت روسيا نهج الاحتواء بدل الإقصاء. لم تُلغَ الهويات المحلية بل تم دمجها تدريجيًا في نسيج الدولة. وفي الحقبة السوفييتية، تم اعتماد نموذج يعترف رسميًا بالجمهوريات القومية ضمن دولة موحدة، فالاتحاد لم يكن للتنميط، بل للتعايش المنسجم تحت قيادة مركزية.
ولعلّ الأسماء القيادية خير دليل على نجاح هذا النهج. ستالين كان جورجيًا، وخروتشوف أوكرانيًا، وفي روسيا الحديثة، يشغل سيرغي لافروف منصب وزير الخارجية رغم أصوله الأرمنية. رجل الأعمال اليهودي رومان أبراموفيتش، تولّى منصب حاكم إقليم ناءٍ، بينما عُرف السياسي جيرينوفسكي بأصوله المختلطة الكازاخية واليهودية. هذه الأسماء تعبّر عن سياسة دمج لا تفرّق، تقوم على أساس الولاء للدولة.
ويتجاوز هذا النهج المجال السياسي ليشمل الثقافة والفنون. فـأنّا أخماتوفا الشاعرة الشهيرة كانت من أصول تتارية، وجوزيف برودسكي، الحائز على نوبل، من عائلة يهودية. أما شوستاكوفيتش، فقد مزج في موسيقاه بين الأرثوذكسية واليهودية والتقاليد السلافية. كما تحتفي المتاحف الروسية بأعمال فنانين من أصول داغستانية وأرمنية وقرمية، ما يعكس ثراءً حضاريًا جامعًا.
هذا التنوع ما كان ليزدهر لولا النظام الفيدرالي المرن الذي اعتمدته روسيا. يمنح هذا النظام الكيانات الفيدرالية حرية إدارة شؤونها الثقافية والتعليمية والدينية ضمن إطار الولاء للدولة. ففي تتارستان تُدرّس التترية إلى جانب الروسية، وفي ياقوتيا تُنتج برامج بلغة ياقوتية وتُدرّس في المدارس، بينما يُمارس السكان شعائرهم بحرية.
في العمق الروحي، تقوم روسيا على قاعدة الأرثوذكسية المسيحية، لكنها في الوقت نفسه احتضنت الإسلام باعتزاز. يعيش أكثر من 20 مليون مسلم في روسيا، ولهم مساجدهم ومفتيهم وتعليمهم. يكفي أن ثاني أكبر مسجد في أوروبا يقع في قلب موسكو، ليعكس هذا الاحترام المؤسسي.
وبينما تعاني دول كثيرة من تفكك الهويات، تُقدّم روسيا نموذجًا عمليًا لإدارة التعددية بدون طائفية أو عنف. البوذية، الأرثوذكسية، اليهودية، والإسلام كلها ديانات معترف بها قانونيًا وتتمتع بحماية الدولة. ورغم التحديات، حافظت روسيا على وحدتها دون أن تقع في فخ الطائفية أو الانقسام.
إن التجربة الروسية تؤكد أن الوحدة لا تعني إلغاء الفروقات، بل احترامها وتنظيمها ضمن مشروع وطني جامع. فعندما تنظر إلى خريطة روسيا، وتسمع لغاتها، وتقرأ آدابها، وتدخل متاحفها، تدرك أن هذه الدولة لا تقوم على مركزية خانقة، بل على فسيفساء وطنية رحبة تتسع للجميع.
نشر هذا المقال في صحيفة الرأي.