تعيش مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، فصلًا جديدًا من مآسي الحرب في السودان؛ فصلًا يقطر وجعًا ودمًا، وتختنق فيه الحياة تحت رماد النار والحصار.
فالمدينة التي كانت يومًا مركزًا نابضًا بالتجارة والإنسانية، غدت خلال الأيام الأخيرة ساحةً للموت المفتوح، بعدما أحكمت قوات الدعم السريع سيطرتها عليها، تاركة خلفها مشاهد من الخراب والفقد لا توصف. الأحياء السكنية تحوّلت إلى أطلال، والمستشفيات والمخيمات إلى مقابر صامتة، فيما يتناثر في الشوارع وجع أمهاتٍ يبحثن عن أبنائهن بين الركام.
تؤكد تقارير أممية وحقوقية وقوع مجازر جماعية بحق المدنيين، وانتهاكات مروّعة في المستشفيات والمنازل ومخيمات النزوح، وسط انهيار شبه تام للمنظومة الصحية التي كانت تعاني أصلًا من هشاشة الحصار والجوع وغياب الإمدادات.
لم يعد الوصول إلى الرعاية الصحية ممكنًا، ولا حتى إلى الماء أو الكهرباء أو الأدوية، وأصبحت الولادة والموت يجريان في المكان ذاته — بلا ضوء، بلا دواء، وبلا أمل.
في قلب هذا الجحيم، يبرز المستشفى السعودي للأمومة شاهدًا على المأساة.
ففي التاسع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2025، أدانت منظمة الصحة العالمية التقارير المفزعة عن مقتل أكثر من 460 مريضًا ومرافقًا، إضافة إلى اختطاف ستة من العاملين الصحيين في اليوم السابق.
أطباء وممرضون فقدوا حياتهم وهم يحاولون إنقاذ غيرهم.
والمنظمة شددت على أن الاعتداء على المرافق الصحية يمثل جريمة إنسانية لا تسقط بالتقادم، وأن تحويل المستشفيات إلى أهداف هو إعدامٌ لمفهوم الرحمة نفسه.
وفي الوقت ذاته، حذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) من استمرار عمليات القتل والاقتحام الممنهج ضد المدنيين في الفاشر، داعيًا إلى وقف فوري لإطلاق النار وتأمين ممرات آمنة للنازحين والمصابين.
وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن أكثر من 33 ألف شخص فرّوا خلال يومين فقط (27 و28 تشرين الأول/أكتوبر) نحو مليط والطويلة، تحت وابل من القصف والاقتحامات، لتتوسع مأساة الفاشر نحو مدنٍ أنهكها النزوح وضغطت على خدماتٍ طبية شحيحة أصلًا.
لم يعد الموت في الفاشر بندقيةً فقط، بل أصبح وجعًا متواصلًا يُولد من كل زاوية: من انقطاع الوقود الذي يوقف سيارات الإسعاف، ومن غياب الكهرباء الذي يطفئ أجهزة التنفس، ومن نقص الكوادر التي ترحل تباعًا أو تُختطف.
أقسام الولادة والطوارئ والعناية المركزة تعمل في حدّها الأدنى، وسط عجزٍ عن إحالة الحالات الحرجة بسبب انعدام الأمان وتوقف الطرق.
وتحذّر التقارير من تعطل سلاسل تبريد اللقاحات وظهور بوادر سوء تغذية حاد بين الأطفال، في مشهد يُنذر بانهيارٍ صحي شامل.
اليوم، تختنق الفاشر تحت النار، لكن أنينها يسمع العالم كلّه.
صوت الأطباء الذين بقوا، والأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، والمتطوعين الذين يسابقون الموت لإنقاذ الآخرين، يدوّي في ضمير الإنسانية.
ما يجري في الفاشر ليس حدثًا عابرًا في حربٍ طويلة، بل نداءٌ أخلاقي إلى العالم بأسره: أوقفوا الموت، افتحوا الممرات، أرسلوا الدواء والغذاء، قبل أن تُطفئ الحرب آخر بصيص حياة في مدينةٍ كانت تنبض بالكرامة، وأصبحت اليوم رمزًا للصمود في وجه النسيان.
نشر هذا المقال في صحيفة الرأي