الصحة تحت الحصار… عندما يصبح الجسد ميدانًا للعقوبات

خلال أحد الاجتماعات الأخيرة في مكتب منظمة الصحة العالمية و بحضور وزراء اقليم شرق المتوسط، عُرضت بيانات مقلقة تشير إلى أن عدد الدول الواقعة تحت العقوبات أو القيود الاقتصادية في إقليم شرق المتوسط قد وصل إلى عشر دول من أصل اثنتين وعشرين دولة.

رقم صادم لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد إحصائية، بل علامة على واقعٍ يتفاقم ويهدد أحد أهم حقوق الإنسان الأساسية: الحق في الصحة.

إنّ العقوبات، مهما كانت مبرراتها السياسية أو الاقتصادية، لا تظلّ حبيسة النصوص القانونية أو حدود التعاملات المصرفية، بل تمتدّ آثارها إلى حياة الناس اليومية. فحين تتوقف الإمدادات الطبية، أو تُجمّد التحويلات المالية، أو تتعقّد إجراءات الاستيراد، يكون المرضى هم أول من يدفع الثمن.

يصبح الدواء نادرًا، والمعدات الطبية باهظة، والكوادر الصحية محاصَرة بين الحاجة إلى العمل والمستحيل الإداري والاقتصادي.

وتشهد المنطقة اليوم حالات متعددة ومتزايدة، من الشرق إلى الغرب، حيث تمتدّ القيود على التجارة والتمويل والمساعدات الإنسانية لتصيب المنظومات الصحية باكملها بالشلل. فالعقوبات، وإن لم تُوجَّه بشكل مباشر إلى القطاعات الصحية، فإنّ تأثيرها غير المباشر يضرب سلسلة الإمداد الدوائي من جذورها، ويؤدي إلى اضطرابات في توزيع الأدوية، وتأخير وصول اللقاحات، وتعطّل برامج التطعيم والرعاية الأولية.

وتُظهر تقارير منظمة الصحة العالمية وشركائها أن هذه العقوبات تؤدي إلى ارتفاعٍ ملحوظ في معدلات الوفيات القابلة للوقاية، ونقصٍ في أدوية الأمراض المزمنة، وتراجعٍ في مستوى الخدمات الوقائية والعلاجية، إضافةً إلى نزيف الكفاءات الصحية التي تضطر إلى الهجرة بحثًا عن فرص عمل آمنة ومستقرة.

ورغم وضوح المؤشرات الميدانية، ما زلنا نحتاج إلى مزيدٍ من الأدلة العلمية المثبتة التي تُظهر بصورة قاطعة العلاقة بين العقوبات والوضع الصحي العام في الدول المتأثرة. فالبدايات تشير إلى وجود ترابطٍ قوي بين الحصار وتدهور الصحة العامة، لكن من الضروري أن تُدعَّم هذه الملاحظات بأبحاثٍ كمية ونوعية موثوقة، حتى لا تُترك الأمور تسير على هواها، بل تُعالج وفق أسسٍ علمية واضحة تسهم في صياغة سياسات أكثر إنصافًا وإنسانية.

تشير وثائق منظمة الصحة العالمية – إقليم شرق المتوسط إلى تزايد عدد الدول الواقعة تحت أنماطٍ مختلفة من العقوبات. ومن الأمثلة البارزة (قائمة تمثيلية غير حصرية): إيران، اليمن، السودان، سوريا، ليبيا، الصومال، أفغانستان، العراق، لبنان، والأراضي الفلسطينية المحتلة.

وتختلف طبيعة هذه القيود بين شاملة وموجَّهة أو قطاعية، لكنها في جميع الحالات تؤثر على سلسلة الإمداد الصحي والخدمات الأساسية، وتحدّ من قدرة المواطنين والمقيمين على الحصول على العلاج والدواء في الوقت المناسب.

ولمواجهة هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحّة إلى رفع مستوى الوعي الصحي المجتمعي بين المواطنين والمقيمين في هذه الدول. فتمكين الأفراد بالمعرفة الصحية والوقائية يشكّل أحد أهم سبل الصمود في وجه الأزمات.

ويجب أن تتضافر الجهود بين مؤسسات المجتمع المدني، والجمعيات الصحية، ووسائل الإعلام المحلية، لتثقيف الناس حول أساليب الوقاية من الأمراض، وأهمية التغذية السليمة، واستعمال الموارد الصحية المتاحة بأفضل شكل ممكن.

إنّ تعزيز الثقافة الصحية في زمن الحصار ليس ترفًا، بل ضرورة للبقاء، وجسرًا للتخفيف من أثر غياب العلاج وصعوبة الوصول إلى الخدمات.

وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري أن تعمل الجهات المعنية الوطنية والإقليمية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية والكيانات الفاعلة في الإقليم على إطلاق سياسة منظمة ومتكاملة تهدف إلى الحد من الأثر الإنساني للعقوبات، وضمان استمرار الخدمات الصحية الأساسية دون انقطاع، مع وضع آليات مراقبة وتنسيق لتسهيل حركة الإمدادات الطبية عبر قنوات إنسانية آمنة وخاضعة للرقابة الدولية.

وجزيل الشكر والتقدير من الشركاء ذوي العلاقة المباشرة وغير المباشرة وإقليم شرق المتوسط على طرح هذا الموضوع الحساس والمهم، الذي يسلّط الضوء على واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في منطقتنا. ونأمل أن تكون هذه النتائج نقطة انطلاق نحو مشروع تحوّلٍ إقليميٍ شاملٍ يدافع عن حقّ المواطنين والمقيمين في هذه الدول بالحصول على الرعاية الصحية دون تمييز، ويؤسس لنهجٍ إنسانيٍ مستدامٍ في التعامل مع آثار العقوبات على الصحة العامة.

إنّ الوضع الراهن يتطلب مراجعة شاملة للسياسات تقوم على مبدأ تحييد القطاع الصحي عن النزاعات السياسية، والتأكيد على أن الصحة ليست ساحةً للعقاب، بل ميدانًا للكرامة والحق في الحياة.

فالصمت أمام معاناة المرضى يعني القبول الضمني باستمرارها، والسكوت عن الأثر الإنساني للعقوبات هو تفريط في أحد أنبل القيم التي قامت عليها المجتمعات: الرحمة والتكافل الإنساني.

لقد آن الأوان لأن نرفع الصوت من أجل فصل الصحة عن السياسة، وأن نؤكد أن الرعاية الصحية يجب أن تبقى حقًا مقدسًا لا يُمس، مهما اختلفت المواقف أو تباينت السياسات.

ففي النهاية، الإنسان هو الخاسر الأكبر من الحصار، والإنسان هو الأجدر بأن نكسر من أجله جدران الصمت والعقوبات.

نشر هذا المقال في صحيفة الرأي