كانت لي تجربة شخصية جعلتني أقترب أكثر من مفهوم الصحة النفسية. ففي عام 2007، شاركت في المسح الوطني الذي أجرته وزارة الصحة بالتعاون مع الجهاز المركزي للإحصاء وبدعم من USAID، حيث تضمّن لأول مرة أداة لقياس المؤشرات غير المباشرة للصحة النفسية في الأردن. ورغم أن النتائج كانت علمية وموضوعية، فقد قوبلت بالرفض والإنكار، وكأن الحديث عن النفس ما زال من المحظورات. لكن تلك التجربة كانت نقطة تحوّل جعلتني أؤمن بضرورة تناول هذا الملف بشجاعة وصدق.
تكرّس هذا الإيمان أكثر مع أزمة اللجوء السوري، حين شاهدنا حجم المعاناة الإنسانية، وكيف أصبحت برامج الدعم النفسي للاجئين أكثر تطورًا من الخدمات المتاحة في بعض الدول المستضيفة. عندها أدركت أن الصحة النفسية ليست شأنًا عابرًا أو مرتبطًا بالأزمات فقط، بل هي قضية إنسانية دائمة، تمسّ كل مجتمع في السلم كما في الحرب، وفي الرخاء كما في الشدّة.
ورغم الجهود المبذولة، ما زلنا في الأردن نفتقر إلى قاعدة بيانات وطنية متكاملة في هذا المجال. فعدد الدراسات المنشورة حول الصحة النفسية لا يزال محدودًا، مما يعكس غيابها عن أولويات السياسات الصحية. فالصحة النفسية ليست ترفًا أو تخصصًا هامشيًا، بل جزء لا يتجزأ من الصحة العامة ومن قدرة المجتمع على الصمود والإنتاج.
إن غياب الاهتمام بالصحة النفسية ترك أثرًا واضحًا في مجتمعاتنا العربية، حيث تتزايد معدلات الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة. ومعظم النظم الصحية ما تزال تعاملها كقضية ثانوية، في حين أن خدمات العلاج والدعم النفسي محدودة، وعدد الأخصائيين لا يغطي سوى جزء بسيط من الاحتياج الفعلي.
ولعلّ التحدي الأكبر لا يكمن في المرض نفسه، بل في الوصمة المجتمعية التي تُحيط به. ما زلنا نستخدم عبارات مثل “مريض نفسي” وكأنها تهمة، ونخشى الإفصاح عن الألم الداخلي خوفًا من نظرة المجتمع. لقد آن الأوان لأن نكسر هذا الصمت، وأن نتعامل مع الصحة النفسية بوصفها حقًا إنسانيًا لا يقلّ أهمية عن سائر الحقوق الأساسية.
إن الصحة النفسية لا تعني فقط العلاج الدوائي أو الجلسات العلاجية، بل هي منظومة متكاملة من الوقاية والرعاية والدعم، تبدأ من الأسرة والمدرسة والمجتمع، وتمتد إلى السياسات الوطنية التي تضع الإنسان في قلب التنمية. فالمجتمع الذي يُهمِل صحة أفراده النفسية، يُخاطر بفقدان توازنه الاجتماعي والإنتاجي.
تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن واحدًا من كل ثمانية أشخاص في العالم يعاني اضطرابًا نفسيًا، وأن تكلفة الإهمال في هذا المجال تتجاوز 4% من الناتج المحلي الإجمالي نتيجة انخفاض الإنتاجية وزيادة العبء الصحي. أما في عالمنا العربي، فلا تزال ميزانيات الصحة النفسية لا تتجاوز 2% من موازنات وزارات الصحة، في ظل غياب واضح للرؤية الاستراتيجية المتكاملة.
إن الاستثمار في الصحة النفسية هو استثمار في الإنسان نفسه؛ في طاقته، وإنتاجه، وقدرته على الحياة بكرامة واتزان. فلا يمكن تحقيق تنمية مستدامة في مجتمعات ينهكها القلق، أو يعيش شبابها بلا أمل، أو تُرهقها ضغوط الحياة دون دعم أو احتواء.
فلنمنح النفس حقها قبل أن ينهكها الإهمال أكثر، فبسلامها يبدأ كل إصلاح، وبوعيها تزدهر الأوطان.
نشر هذا المقال في صحيفة الرأي.