ساعات طويلة بلا إنتاج في العالم العربي

*ساعات طويلة بلا إنتاج في العالم العربي*

العمل ليس حضورًا جسديًا خلف مكتب أو أمام آلة. إنه التزام ومسؤولية وانضباط داخلي يسبق الرقابة الخارجية. غير أن واقع العمل في عدد من الدول العربية يكشف عن مفارقة مقلقة: ساعاتٌ طويلة تُدوَّن في الجداول، لكن أثرها على الإنتاج محدود، بل أحيانًا معدوم.

في معظم الدول العربية، تُحدد ساعات الدوام الرسمي بما لا يقل عن ثماني ساعات يوميًا، خمسة أيام في الأسبوع، أي نحو 40 إلى 45 ساعة عمل أسبوعيًا في الأردن ولبنان وتونس ومصر. أما في دول الخليج، فترتفع المعدلات إلى 48 ساعة أسبوعيًا في بعض القطاعات، تُخفَّض في رمضان إلى ست ساعات يوميًا. ورغم هذا الالتزام الزمني الظاهري، فإن متوسط الإنتاجية في المنطقة يبقى من الأدنى عالميًا؛ إذ تشير تقارير البنك الدولي إلى أن إنتاجية العامل العربي لا تتجاوز 20% من نظيره في أوروبا الغربية.

حتى في الدول الأكثر تنظيمًا إداريًا، لا يعكس طول الدوام بالضرورة جودة الأداء. فوفق تقارير منظمة العمل الدولية، يبلغ متوسط ساعات العمل الفعلية في دولة الإمارات نحو 51 ساعة أسبوعيًا، وهو من الأعلى عالميًا، لكن الدراسات تُظهر أن طول ساعات العمل لا يرتبط دومًا بالإنتاجية، بل يؤدي غالبًا إلى الإرهاق الذهني وتراجع الكفاءة الفردية، خصوصًا في القطاعات الخدمية والمالية.

وفي المقابل، تعاني مؤسسات القطاع العام في بلاد الشام وشمال إفريقيا من مشكلات مزمنة في الدافعية والإنتاج. كثير من الموظفين يلتزمون بالحضور، لكنهم يعملون بروحٍ مثقلة بالإحباط وانعدام الحافز. المراجع ينتظر توقيع معاملة بسيطة لأيام، بسبب “ثقافة التأجيل” أو البيروقراطية المفرطة. وقد خلصت دراسة لمنظمة الشفافية الدولية عام 2023 إلى أن أكثر من 60% من المواطنين العرب غير راضين عن كفاءة الخدمات الحكومية، رغم التحسينات التقنية والإدارية المعلنة.

أما في الدول التي تشهد أزمات مزمنة — كسوريا واليمن والسودان — فإن مفهوم الالتزام الوظيفي نفسه يتآكل. ليس لغياب النية، بل لانهيار البيئة المحيطة: الرواتب بالكاد تغطي كلفة المواصلات، ووسائل النقل محدودة، والبنية الإدارية هشة. في مثل هذه الظروف، تصبح “ساعات العمل” رقمًا بلا معنى، فيما يتحول الحضور إلى مجرّد واجب شكلي.

النتيجة العامة هي تراجع واضح في مؤشرات الكفاءة والتنافسية عربيًا. وفق تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي 2024، جاءت غالبية الدول العربية في المراتب الأخيرة في مؤشرات فعالية الإدارة العامة واستغلال الوقت، بينما أظهرت دول مثل سنغافورة والدنمارك أن الاستثمار في ثقافة العمل وجودة الإدارة يمكن أن يرفع الإنتاجية بنسبة تفوق 30% دون زيادة في ساعات العمل.

الإشكالية، إذن، ليست في عدد الساعات، بل في فلسفة العمل ذاتها. في غياب ثقافة ترى في العمل قيمةً أخلاقية ومسؤولية جماعية، يتحول الالتزام إلى عبء، والحضور إلى عادة. فالمقاعد المشغولة لا تصنع التنمية، بل العقول المشغولة بالإبداع والمسؤولية.

الإصلاح المطلوب ليس إداريًا فقط، بل ثقافي في جوهره. لا نحتاج إلى زيادة العقوبات أو ساعات الدوام، بل إلى بيئة عمل عادلة ومحفّزة، تُقدّر الكفاءة وتربط الأجر بالإنتاج. علينا أن نُعيد غرس معنى العمل في الوعي الجمعي منذ المدرسة، كقيمة توازي الشرف والانتماء.

وحين ندرك أن العمل ليس واجبًا فحسب، بل شرف ومسؤولية وعنوان للذات، سنتمكّن من إعادة وصل ما انقطع بين الوقت والإنجاز، بين الإنسان ومؤسسته، وبين الدولة ومستقبلها.

نشر هذا المقال في صحيفة الرأي.