التسرب الإشعاعي: بين دروس تشيرنوبل ومخاوف إيران… الصحة العامة على المحك

التسرب الإشعاعي: بين دروس تشيرنوبل ومخاوف إيران… الصحة العامة على المحك

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية واستهداف منشآت استراتيجية في بعض الدول، تتجدد المخاوف من التبعات الصحية والبيئية للتسرب الإشعاعي، خصوصًا في حال المساس بالبنية التحتية النووية، كما هو الحال حاليًا في إيران. فقد أثبتت التجارب أن التسرب الإشعاعي لا يُقاس فقط بلحظة وقوعه، بل يمتد أثره لأجيال، ويهدد الإنسان والبيئة في آنٍ واحد.

ومع تواتر الأنباء عن ضربات عسكرية في إيران، و استهداف منشآت نووية نشطة مثل نطنز وأراك وفوردو. وعلى الرغم من عدم صدور تقارير رسمية تؤكد حدوث تسرب، فإن مجرد الاحتمال يستدعي أقصى درجات الجاهزية من قبل الدول المجاورة والمنظمات الدولية، تحسبًا لأي طارئ قد يتحول إلى أزمة إقليمية.

التعرض للإشعاع بنسب عالية خلال فترة قصيرة قد يؤدي إلى متلازمة الإشعاع الحاد، وتسبب أعراضًا خطيرة تشمل الغثيان، الحمى، النزيف، وحتى الوفاة. أما التعرض المزمن لجرعات منخفضة، فيرتبط بازدياد معدلات السرطان، والتشوهات الخلقية، واضطرابات في الجهازين العصبي والمناعي. ولا يقف التهديد عند الإنسان فقط، بل يمتد ليشمل تلوث الهواء والماء والتربة، ما يؤدي إلى دخول المواد المشعة في السلسلة الغذائية وتأثيرها طويل الأمد على الزراعة والثروة الحيوانية.

وفي السياقات التي تعاني من هشاشة في أنظمتها الصحية، تتضاعف الأخطار. فالتسرب الإشعاعي يستنزف القدرات المحدودة، ويخلق حاجة عاجلة إلى مراكز متخصصة، وفرق طوارئ مدرّبة، ونظم استجابة فعالة. كما لا يمكن إغفال الأثر النفسي والمجتمعي، من ازدياد القلق الجماعي إلى التهجير القسري وانعدام الثقة بالسلامة العامة.

دروس الماضي لا تزال ماثلة أمامنا. ففي كارثة تشيرنوبل عام 1986، تسربت كميات هائلة من المواد المشعة أثرت على مساحات واسعة من أوروبا، وأجبرت مئات الآلاف على مغادرة منازلهم، مع ارتفاع غير مسبوق في إصابات سرطان الغدة الدرقية بين الأطفال. وفي فوكوشيما عام 2011، أدى زلزال وتسونامي إلى تسرب إشعاعي واسع إلى المحيط، مما تسبب في تداعيات بيئية وغذائية لا تزال اليابان تتعامل معها حتى اليوم.

لقد تطورت أنظمة الرصد الدولي بشكل كبير، وأصبحت قادرة على كشف التسربات خلال دقائق، عبر الأقمار الصناعية ومحطات الرصد التابعة لمعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية.  ومع ذلك، فإن التحليل العلمي وتحديد الأثر الدقيق قد يستغرق من يوم إلى ثلاثة أيام، قبل أن تُصدر الجهات المختصة تقييماتها الرسمية.

في حال وقوع تسرب، توصي المؤسسات الدولية بعدة تدابير عاجلة، منها إنشاء مناطق عازلة، إجلاء السكان، توزيع أقراص اليود، مراقبة المياه والغذاء، وتفعيل خطط الطوارئ الصحية، إلى جانب التوعية المجتمعية الفورية.

ختامًا، يبقى التسرب الإشعاعي من أخطر التهديدات العابرة للحدود، ولا يجوز التعامل معه كاحتمال بعيد أو ظرف طارئ. فآثاره لا تتوقف عند حدود الدول أو زمن الأزمات، بل تمتد لتشكل تهديدًا مستمرًا للأجيال المقبلة. من هنا، فإن الاستعداد، والشفافية، والتعاون الدولي لم تعد خيارات، بل مسؤوليات مصيرية لا تقبل التأجيل

تم تشر هذا المقال في صحيفة عمون