النهضة الإفريقية الحديثة: هل يشهد العالم ميلاد “نمور إفريقية”؟
في العقود الأخيرة، بدأت إفريقيا تُعيد رسم ملامحها بعيدًا عن الصور النمطية المرتبطة بالفقر والصراعات، نحو واقع جديد تقوده دول تنهض بهدوء وتبني مستقبلًا طموحًا.
شهدت إفريقيا، منذ خمسينيات القرن الماضي، تحررًا سياسيًا واسعًا من الاستعمار، لكن مرحلة ما بعد الاستقلال لم تكن سهلة. فقد واجهت القارة موجات من الانقلابات، والحروب، والتبعيات الاقتصادية، والتهميش العالمي. ومع ذلك، تُظهر السنوات الأخيرة تحولًا متسارعًا في توجهات العديد من الدول الإفريقية، سواء من حيث الإصلاحات، أو تطوير البنية التحتية، أو تعزيز القدرات المؤسسية.
تمتلك القارة مقومات هائلة، تبدأ بثروة بشرية شابة — حيث إن أكثر من 60% من السكان دون سن الخامسة والعشرين — إلى موارد طبيعية غنية، وموقع جغرافي استراتيجي يربط بين ثلاث قارات. ويُضاف إلى ذلك الطفرة اللافتة في مجالات الابتكار الرقمي، والأمن الصحي والغذائي، والتعليم عن بُعد، والزراعة الذكية، والتي أصبحت محركات جديدة للتنمية في دول مثل كينيا ونيجيريا ورواندا.
وتبرز نماذج تنموية ملهمة تؤكد إمكانية التحول: رواندا مثال حي على الحوكمة الرشيدة والتحول الرقمي، والسنغال تعزز مسارها الديمقراطي مع بنية اقتصادية متوازنة، والمغرب يستثمر بكثافة في الطاقة المتجددة والصناعات المتقدمة، وغانا تتميز باستقرار سياسي ومجتمع مدني نشط، وكينيا تقود الابتكار الرقمي في شرق القارة. أما مصر، فبمشاريعها العملاقة وموقعها المحوري، فهي قوة إقليمية ذات ثقل، رغم التحديات الاقتصادية. وإثيوبيا، رغم الصراعات الداخلية، تحتفظ بإمكانات تنموية ضخمة يمكن أن تترجم إلى نهوض حقيقي إذا تحقق الاستقرار.
ولم يعد العمل الإفريقي المشترك حبرًا على ورق أو شعارات براقة وخطابات رنانة؛ فقد بات الاتحاد الإفريقي أكثر حضورًا وفعالية، سواء من خلال الأمن الصحي عبر تأسيس “مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الإفريقية” على غرار النماذج الأوروبية والأميركية، والتي قادت جهود الاستجابة لجائحة كوفيد-19، ولعبت دورًا محوريًا في تدريب الكوادر، وتنسيق الاستجابات، وتوفير الدعم الفني للدول الأعضاء؛ أو من خلال التدخلات السياسية والأمنية، مثل إرسال بعثات حفظ السلام في الصومال وأفريقيا الوسطى، والوساطات المستمرة في أزمات إثيوبيا ومالي؛ إلى جانب خطوات فاعلة في تعزيز التكامل الاقتصادي من خلال اتفاقية التجارة الحرة القارية التي تمثل مشروعًا طموحًا لتوحيد الأسواق وتعزيز التجارة بين دول القارة.
وعند مقارنة التجربة الإفريقية الصاعدة بما عُرف في التسعينيات بـ”النمور الآسيوية” (كوريا الجنوبية، تايوان، هونغ كونغ، وسنغافورة)، يتضح أن المسارين مختلفان جوهريًا في الرؤية والأدوات. فقد بنت تلك الدول الآسيوية نهضتها على التصنيع التصديري، والتعليم الصارم، والانخراط العميق في سلاسل القيمة العالمية، مع دعم حكومي محكم وتحالفات مدروسة مع رأس المال العالمي. أما النهج الإفريقي، فهو يتخذ مسارًا مختلفًا في جوهره، حيث يُعيد صياغة التنمية انطلاقًا من الواقع المحلي والإقليمي، ويرتكز على استثمار الموارد الذاتية، والتحول الرقمي كقاطرة رئيسية، وتعزيز الأمن الصحي والغذائي، وتمكين المجتمعات عبر اللامركزية، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية. لا تنسخ إفريقيا نماذج جاهزة، بل تُبدع نمطًا تنمويًا خاصًا بها، نابعًا من احتياجاتها وتاريخها وسياقها المتغير، ومتكئًا على الشراكات الذكية بدلًا من التبعيات المكلفة.
أفريقيا اليوم ليست تلك التي عرفها العالم في الستينيات أو التسعينيات. إنها قارة تتحرك، تصعد، وتبني مستقبلها بإرادتها، وبشراكات ذكية، وبقيادات واعية. والرهان الأكبر اليوم هو أن تستمر هذه الديناميكيات في مواجهة التحديات المتبقية — من الديون، والأطماع الخارجية، إلى النزاعات الداخلية، وتغير المناخ.
قد لا تكون “نمورًا” بالمعنى الحرفي، لكنها بالتأكيد “نسور إفريقية” تحلق نحو المستقبل بثقة متنامية.
نشر هذا المقال في صحيفة الرأي