رحلة مدرسية إلى البحر الميت… ذاكرة لا تغيب
بعض الطقوس لا تندثر، حتى لو خفَت وهجها، وتبقى محفورة في الذاكرة كأنها حدثٌ دائم التكرار.
من بين تلك الطقوس، يلمع مشهد الإفطار في الطريق إلى البحر الميت، خلال رحلة مدرسية طال انتظارها. كان الموعد يُستقبل كأنه عيد، نغادر البيت قبل أن تشتد الشمس، وكلّنا حماسة وانفعال.
لكن التوقف للإفطار، غالبًا في منطقة وادي شعيب، لم يكن محطة عابرة، بل لحظة مقدسة على جانب الطريق؛
نجلس تحت شجرة أو في ظل صخرة، نمدّ السفرة الصغيرة من حقيبة الطعام، ونوزّع الخبز واللبنة والزيتون، وكأننا نرسم خارطة دفء متنقّل.
لم يكن الإفطار مجرد طعام، بل اجتماع على البركة والبساطة، نضحك، نتقاسم، ونملأ المكان بحضورنا الطفولي الصادق.
نفتح السندويشات الملفوفة كأنها كنوز صغيرة، وتدور بيننا النُكات والتوترات الخفيفة، ولا تغيب وصايا الكبار:
“لا تكثر من العصير”، “لا تلعب بالطعام”، “وانتبه لحقيبتك!”.
كنا نأكل ونضحك ونحلم بالوصول، وكأن الإفطار هو المقدمة الأولى لمغامرة اليوم.
أما الطريق إلى البحر الميت فكان بحد ذاته مغامرة مكتملة؛ كل منعطف يحمل حكاية، وكل صعود وهبوط يُشبه قصة قصيرة.
كنا نعدّ دقائق الوصول، نُطلق الأغاني والصيحات الطفولية للتعبير عن الرجولة القادمة، ونتسابق نحو البحر كما لو كنّا نصل إلى نهاية العالم.
وما أن يحين وقت الغداء، حتى تبدأ الطرائف وتُستعاد البطولات. كم من مرة تعرّفتُ إلى “نصف دجاجة” من هذه الرحلات الجميلة!
وبصراحة… لا تزال “نصف دجاجة” جزءًا حيًّا من حياتي، تعيش معي بذكراها ونُبل فلسفتها إلى اليوم.
كان الغداء في العراء، أو على شاطئ البحر وقد لفحته الشمس، لكنه كان الألذ دائمًا؛ لأنه مليء بالحكايات، والضحكات، وبعض الترهات والمشاحنات… بنكهات التمرّد والحرية.
أما اليوم، فالرحلة إلى البحر الميت صارت أسرع، والطريق أقصر. و نحن مشغولون في هواتفنا الذكية و المكالمات الهاتفية الزائفة.
نقود بلا دهشة، ونصل دون أن نشعر أننا عبرنا شيئًا.
الإفطار غالبًا ما يكون قهوة في الكوب، والغداء وجبة على عَجَل.
الزمن تغيّر، والمشاعر تأثرت، وكأن شيئًا من الحنين قد سقط من الطريق.
ورغم ذلك، ما زالت تلك الطفولة تعيش فينا.
كلما قادتنا الطريق إلى البحر الميت، نتذكر الإفطار تحت الشجرة، وسندويشة اللبنة، وضحكة “نصف الدجاجة”، والطريق الذي بدا لنا أطول من العمر… وأجمل من كل شيء.
نعم، الحياة تمضي، لكن الطفولة لا تمضي من داخلنا.
والبحر الميت ما زال قادرًا على أن يُدهشنا، فقط إن سمحنا لذاك الطفل القديم أن يختار مكان الإفطار… دون جدول أعمال.
نشر هذا المقال في صحيفة الرأي.