*مستشفى مادبا: نموذج أردني جديد في الشراكة بين القطاعين العام والخاص*
في خطوة نوعية تؤسس لمرحلة جديدة في إدارة المشاريع الصحية في الأردن، أُعلن عن مشروع مستشفى حكومي في محافظة مادبا، ينفَّذ عبر شراكة مبتكرة بين القطاعين العام والخاص. تمثل هذه المبادرة تحوّلًا في النهج التقليدي لإنشاء وتطوير المرافق الصحية، وتُمهّد لنموذج يمكن البناء عليه في محافظات و مناطق أخرى.
ما يميز هذا المشروع لا يكمن فقط في حجمه أو موقعه، بل في طبيعة الاتفاق التي تعتمد مبدأ تسليم المستشفى مكتملًا وجاهزًا للتشغيل قبل صرف أي دفعات مالية. هذه الآلية تُعزّز كفاءة الإنفاق، وتقلّل من التأخير، وتنقل عبء التنفيذ إلى من يملكه ويديره بفاعلية.
المستشفى المزمع إنشاؤه سيكون من أكبر المرافق الصحية، بسعة أولية كبيرة قابلة للتوسع، ويشمل تجهيزات طبية متقدمة تشمل غرف العمليات، والعناية المركزة، والعيادات الخارجية، وأقسامًا متخصصة في أمراض القلب والكلى، فضلًا عن بنية لوجستية تدعم الإخلاء الطبي الجوي.
هذه التجربة الأردنية تفتح الباب أمام مقاربة تنموية جديدة، لا يُنظر فيها إلى الصحة كعبء حكومي، بل كفرصة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية معًا. فهي تُسهم في تحقيق العدالة الجغرافية في توزيع الخدمات الصحية، وتخفف الضغط عن مستشفيات العاصمة، وتمنح المجتمعات المحلية حق الوصول إلى رعاية نوعية متقدمة.
النموذج المطروح يعكس إدراكًا متناميًا لأهمية الشراكة مع القطاع الخاص، في ظل أطر حوكمة ورقابة تضمن الجودة والكفاءة. وما يُحسب لهذا الطرح هو إدراكه لأهمية التدرّج في مراحل الشراكة، إذ يمكن لاحقًا – وضمن معايير واضحة – التوسّع ليشمل التشغيل أيضًا، لا أن يُحصر التعاون في جانب الإنشاء فقط. فالتجارب العالمية تُظهر أن الشراكة الفاعلة لا تعني بالضرورة الفصل التام بين الأدوار، بل التوازن الذكي بينها، ما دامت الحوكمة والشفافية قائمة.
وفي السياق العربي، برزت عدة نماذج ناجحة في هذا المضمار، أبرزها في السعودية ومصر والإمارات، حيث أسهم التعاون المؤسسي بين القطاعين في توسيع التغطية الصحية، وتعزيز الاستثمار في البنية التحتية، مع الحفاظ على توازن واضح بين الكفاءة وتكافؤ الفرص في تقديم الخدمة.
في العمق، يعكس مشروع مستشفى مادبا بداية تفكير جديد في التخطيط الصحي الوطني، حيث ترتبط البنية التحتية بالتنمية البشرية، وتُعامل الصحة العامة كحق للمواطن ومجال استثماري واعد في آنٍ واحد. وهو بذلك يُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع: من علاقة رعاية تقليدية، إلى علاقة شراكة قائمة على الابتكار والمسؤولية المشتركة.
يبقى التحدي في استدامة هذا النموذج وتوسيع نطاقه، دون التفريط في الرقابة أو الوقوع في فخ الربحية على حساب الجودة. لكن الرسالة التي يحملها المشروع واضحة: يمكن للدولة أن تكون ذكية في إنفاقها، فاعلة في شراكاتها، وسبّاقة في رسم ملامح مستقبلها الصحي بما يليق بطموحات شعبها.
وفي قادم الأيام، ستتضح تفاصيل الصورة أكثر، حين تُتاح بيانات أوسع حول آليات التنفيذ والتشغيل، وأثر المشروع في الميدان.
نشر هذا المقال في صحيفة عمون.