*اليمن: بلد العراقة الذي لم تنحنِ جباله*
ليست اليمن اسمًا عابرًا على الخريطة، بل تاريخٌ يتنفس من أعماق الجبال والسهول، وهويةٌ متجذرة ترفض الذوبان في صخب الزمن. إنها أرض لا تُقاس بالمساحة، بل بالأثر، ولا تُختزل في حدود، بل تمتد في ذاكرة الشعوب.
هي مهد العروبة، ومنبت اللغة، ومختبر الحكمة، حيث وُلدت الحكايات قبل أن تُروى، ونُسجت الأساطير من خيوط الواقع.
من مملكة سبأ وسد مأرب العظيم، إلى أوسان وحِمير وقتبان، كانت اليمن في طليعة الحضارة الإنسانية. أنشأت أنظمة سياسية متقدمة، خطّت أولى أبجديات التجارة الدولية، وساهمت في وصل الشرق بالغرب على طرق البخور والتوابل والعطر.
لم تكن اليمن يومًا هامشًا، بل مركزًا اقتصاديًا وفكريًا، ومحجًّا للقوافل، ومنبرًا للعلم والمعرفة، قبل أن تشهدها العواصم الكبرى.
شعبها انفتح باكرًا على الأديان، فآمن باليهودية والمسيحية، ثم دخل الإسلام طوعًا، لا بالسيف، بل بالاقتناع. أرسل إليهم النبي ﷺ خيرة أصحابه، ومنهم معاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري، فوجدوا قلوبًا مفتوحة وعقولًا مستنيرة. ومنذ ذلك الزمن، صار اليمن رافدًا للدعوة، لا مجرد متلقٍّ لها.
وإذا كانت الجغرافيا قد منحت اليمن تنوّعًا مذهلًا بين السواحل والجبال والوديان، فإن التركيبة القبلية كانت قلب هذا التوازن.
برزت في التاريخ القديم قبائل عظيمة كهمدان، حِمير ، حاشد، بكيل، وسبأ، فساهمت لا في حماية الأرض فقط، بل في صياغة الهوية العربية. كثير من أنساب العرب اليوم تعود بجذورها إلى هذه القبائل التي انتشرت مع الفتح الإسلامي حتى بلغت الحجاز والعراق والشام والمغرب العربي، وكان لها الدور في نشر اللغة والدين وتأسيس العمارة والفقه والسياسة.
واليمن، رغم تقلبات التاريخ، لم تُطأ جباله دون مقاومة. من الفرس والأحباش إلى البرتغاليين والعثمانيين، كانت أرضه دومًا مقبرة للغزاة، لا تستكين، ولا تفرّط.
اليمني قد يُجاع، لكنه لا يُذل؛ يُرهق، لكنه لا يبيع أرضه؛ يُحاصر، لكنه لا يتنازل عن كرامته.
وفي قلب هذا المشهد، تتجلى المرأة اليمنية كقوة فاعلة.
من الملكة بلقيس، رمز الحكمة السياسية والدبلوماسية في سبأ، إلى أروى بنت أحمد الصليحي، أول امرأة حكمت باسم الخلافة الفاطمية في القرن الحادي عشر، أثبتت اليمنية أنها لا تعيش في الظل، بل تصنع التاريخ وتدافع عن الحق بالكلمة والموقف.
أما المدن اليمنية، فلكل منها نكهتها:
صنعاء القديمة بمآذنها وأسواقها وقبابها الطينية؛ عدن بمينائها التاريخي وانفتاحها التجاري؛ حضرموت بسكينتها الروحية وتراثها العلمي؛ مدينة إب، قلب اليمن الأخضر، واحةٌ من الجمال والتاريخ. بيوت بيضاء تحيط بها الخضرة. وُصفت بأنها قبضة لؤلؤ نُقِرت فوق بساطٍ أخضر، وعُرفت بعراقتها واعتدال مناخها. تعز بعراقتها الثقافية ومقاومتها الصلبة؛ وصعدة بجبالها الشامخة، حيث القبيلة تعقد الصلح قبل أن تُشهر البندقية.
تراث اليمن لا يقتصر على الآثار أو الفنون، بل ينبض في تفاصيل الحياة اليومية:
في صوت أيوب طارش، وفي رائحة البنّ، في زخارف الأبواب الخشبية، في أعراس تمتد أيّامًا، في القصيدة التي تُلقى قبل السيف، وفي السوق الذي يجمع بين التجارة والحكاية.
وفي لحظة تبدو فيها العواصم متشابهة، تقف اليمن كأرضٍ لا تُشبه سواها، تُقاوم لا لتنتصر على عدو، بل لتحمي ما بقي من ذاتها.
اليمن ليست فقط ماضيًا نستدعيه، بل مستقبلًا يستحق أن نعيد قراءته من جذوره.
بلدٌ حين تقترب منه أكثر، تتيقّن أن العراقة لا تعني فقط ما مضى… بل ما صمد.
نشر هذا المقال في صحيفة عمون.