المرأة العربية بين النهوض الحقيقي… والانزلاق في التقليد الأعمى

المرأة العربية بين النهوض الحقيقي… والانزلاق في التقليد الأعمى

لم تكن المرأة العربية يومًا على هامش التاريخ، بل كانت دومًا حاضرة في النسيج الحضاري للأمة، أمًّا ومعلمة، شاعرة ومجاهدة، عالمة ومُربّية. واليوم، ونحن نعيش موجة التغيرات الكبرى في القرن الحادي والعشرين، تبرز قضية تمكين المرأة كمفتاح ضروري للتقدّم، لكن بين الدعوات الحقيقية لنهضتها، وبين المبالغات المستوردة من الخارج، يقف الواقع حائرًا.

في العقود الأخيرة، حققت المرأة العربية إنجازات غير مسبوقة. فهناك نساء في سدة القضاء، وفي وزارات سيادية، وفي مختبرات البحث والابتكار. لم تعد صورة “المرأة التابعة” تمثّل إلا جزءًا ضئيلاً من المشهد. المرأة اليوم تُعلّم وتُدرّب وتبني، وتقود المبادرات والمشاريع وتخوض غمار الحياة العامة بثقة واقتدار. وهذه مكاسب لا يملك منصف إلا أن يعتز بها.

لكن في المقابل، ظهرت موجة من التغيير الاستهلاكي، لا تمتّ إلى التمكين الحقيقي بصلة. تقليدٌ أعمى لرموز غربية لا تنتمي إلى بيئتنا، ولا تعكس أولويات المرأة العربية ولا نضالها. شعارات تُرفع بلا مضمون، وسباق محموم نحو “الصورة” بدل “البنية”، وكأن التقدم يُقاس بطول الأظافر أو نوع الحقيبة أو نبرة التمرد… لا بجودة التعليم، واستقلال التفكير، ومكانة العقل والقيمة في المجتمع.

في بعض البيئات، تحوّلت حرية المرأة إلى ذريعة للتفلت من المسؤولية، لا لتوسيع دائرة الكرامة. وفي أخرى، صار الانشغال بالمظهر مقدّمًا على بناء الذات. وفي حالات كثيرة، أصبح تقليد الغرب ليس تبنّيًا لنماذج ناجحة، بل استيرادًا لأعطاله وسلوكياته السطحية، لا إنجازاته البنّاءة.

بل المؤلم أن هذا التقليد لا يقتصر على المظهر الخارجي فقط، بل يمتد إلى نماذج العلاقات الأسرية، وأنماط التفكير، وحتى طريقة التعبير عن الذات. نرى شابات يفتخرن بتقليد نجوم الغرب في حركاتهن وكلماتهن، في حين يغيب النموذج العربي الحضاري، أو يتم تسخيفه باسم “الحداثة”.

وفي الجانب الآخر من الصورة، لا يزال بعض المجتمعات العربية يعاني من إرث طويل من الإهمال والامتهان للمرأة، لا سيما في البيئات الهشة والفقيرة. هناك من تُقصى من التعليم، ومن تُزوّج قسرًا، ومن تُمنع من التعبير أو حتى الحلم. فتعيش المرأة في فجوة كبيرة: بين مبالغات التمكين السطحي، وإهمال الحقوق الأساسية.

إن التحدي اليوم لا يكمن فقط في الدفاع عن المرأة، بل في صياغة مشروع نهوض متّزن، يعيد للمرأة مكانتها الحقيقية دون استلاب ولا انبهار أعمى. نحتاج إلى نموذج عربي خاص بنا، يستلهم من القيم، ويواكب العصر، دون أن يُذيب هويتنا في قوالب مستوردة لا تشبهنا.

نريد امرأة حرّة لا منفلتة، طموحة لا متمردة بلا وعي، صلبة في القيم، مرنة في الفكر، منتمية لمجتمعها، شريكة في تطويره، لا مجرد تابع لثقافة عابرة أو صورة مصنوعة في فضاء التواصل.

فالمرأة العربية حين تُمنح الفُرصة الحقيقية، لا الحاجة إلى الاستيراد، ولا الانبهار بالخارج، تكتب فصلاً جديدًا في نهضة الأمة… بثقة، وبصيرة، وتوازنٍ جميل بين الأصالة والتجديد

نشر هذا المقال في صحيفة الرأي.